الاستحقاق الديمقراطي وادعائات حقوق الانسان  

 

ياووز عزت

 

أعتمدت الأمم المتحدة العاشر من كانون الثاني ليكون اليوم العالمي  لحقوق الإنسان والذي يتزامن مع الاعلان التاريخي لتبني واقرارالمواثيق والقوانين المتعلقة لحقوق الإنسان العالمي، والتي تم الاعلان عنها في العاشر من كانون الثاني سنة 1948. تلك القرارات التي تتبنى  في ظاهرها اسسا مدنية و تتحدث عن الكرامة والمساوات والحرية والعدالة والابتعاد عن الهمجية في التعامل الانساني، اما في فحواها الباطني فغامض وربما صيغت بشكل يمكن التلاعب في طريقة تفسير فقراته، كما هو الحال في القوانيين الدولية الاخرى، ليتناسب مع الاهداف الحقيقية التي تزامنت من اجله و وجدت مثل تلك المنظمات وصيغت مثل تللك القرارات وذلك لتسهيل السيطرة على العالم وتسيرها بما يتلائم و مصالح الدول الاستعمارية التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية.

 

وربما كانت لحظة اعلان تلك القرارات مبعث تفائل وامل لمحبي الخير والسلام من المثقفين والطيبين من فقراء العالم والمتضررين من الحروب والمستهلكون تحت الفوراق العنصرية في جميع انحاء المعمورة، وقد لايزال الكثيرون يتأملون الاستفادة من ثمار تلك القرارات العالمية التي تزعم في وجوب معاملة الانسان بشكل يلائم مع أنسانيته، وتحذرمن استخدام الأسس العرقية والفوارق اللونية والجنسية والدينية والفوارق البشرية الاخرى اساسا للتميز العنصري، وعليه فقد تصور الكثيريين بان يكون يوم "الاعلان العالمي لحقوق الانسان" يوما يستحق التقدير ويجب الاحتفال به، بسب تضمنها  تلك القرارات وادعائات جريئة اخرى منها أدعاءات  حفظ السلام العالمي وحرية الأفراد وحقهم في الاشتراك كعضوا فاعل  في النظام الدولي واتخاذ القرارات.

 

وضمن اطر تلك القرارات يمكن الاشارة الى فكرة حقوق الإنسان كفكر ثوري يحمل في طياته اسسا ومبادىءً للتعامل المتحضر فيما لو تمَ اعتمادت في تنظيم السياسات الداخلية للدول (ما بين الشعوب المختلفة  التي تشترك في العيش ضمن حدود بقعة معينة من الارض وتتقاسم مواردها)، وكذلك حين تسخيرها لتنظيم السياسات الدولية فيما بين الامم لتفادي النزاعات المسلحة...ولاشك انه فيما اذا ما تم تطبق تلك القرارت بشكل غير متحيز او تميز، حينها يمكن الاشارة الى أن الانسانية قد وصلت الى مرحلة من التمدن يتناسب مع متطلبات مابعد او حتى ما بعد بعد عصر الحداثة.

 

الا اننا نصطدم بالواقع المؤلم والمحتوى الكريه لتلك القرارات حين القائنا ولو نظرة سريعة على تطبيقاتها على ارض الواقع وبعد مضي اكثر من نصف قرن من تاريخ اعلانها. ونستيقظ على حقيقة مرة وهي ان تلك القرارات الدولية رغم شعاراتها البرَاقة الا انها لازالت مسخرة من اجل تحقيق مصالح الاطراف التي صاغتها. وقوانينها قد حُبِّكت لتشريع سيطرة الدول المستعمرة على العالم لتسيسها واستغلال موارد ها بطريقة تتناسب مع برامجها المستقبلية ومصالحها الوطنية البحتة، ناهيك عن توظيفهم لشعوب الامم المستغلة للقيام بدور الحارس لها على مصالحها، الى درجة الانجبار لحمل السلاح ضد بعضها البعض، وللاستدلال، اذكر الحصار الجائر والعقوبات الاقتصادية الصارمة الضالمة على الشعب العراقي خلال الاعوام 1990-2003، والتي كانت بمثابة انتقام جماعي همجي اقرته الامم المتحدة وببشاعة مستهدفة الانسان العراقي بذاته من غير تفريق بين مجند او مدني، كبير او صغير، انثى او مريض. متحججة في امتلاك النظام البائد لاسلحة محظورة دوليا متناسيا بان مصادر تلك الاسلحة كانت اما من الغرب اومن روسيا، و بتمويل من دول الخليج العربية التابعة للغرب. وكان العراق قد استخدمها ضد مكونات شعبه وفي حربها ضدَ ايران ولفترة ليست بالقصيرة وعلى مراءً ومسمع من الامم المتحدة وجميع المنظمات الدولية الاخرى.

 

ولم يكتفوا بتلك العقوبات بل اتبعوها بحربين انتقاميتتين ظالمتين مستهدفة اِحداثِ اكبر قدر من الدمار والقتل، تشابهت في اهدافها مع ما كانت تصبوا اليه تلك الامم خلال حروبها الصليبية  في عصورها المضلمة. علما ان االدول التي انتهكت حرمات العراق لم تكن قد استحصلت تشريعا دوليا لتحلل بها اباحتها لسيادة دولة اخرى، ومع ذلك قد فلتت تلك الدول في جرائمها من العقوبات المرجوة حسب قوانين الاسرة الدولية.

 

وحين تحليلنا للقرارات الحالية للمنظمات الدولية مع شعوب مسلمة اخرى في المنطقة يتيقن شكوكنا بان لتلك المنظمات اهداف غير معلنة تناقظ المعلنة منها وتسعى لتحقيقها. وهم بعد تركهم للعراق معاقة يحاولون من تكرار جرائمهم ضد شعوب مسلمة اخرى في الشرق الاوسط ومنها شعوب ايران التي تجمعنا مع شعبها اواصر متعدد منها العقيدة، ورغم اختلافاتنا الفكرية والسياسية..وهم يحاولون بتبرير افعالهم بحجج ضعيفة واهية ناهيك من عدم شرعيتها القانونية. وتناقض تصرفاتهم تلك في تعاملهم مع الحالة السورية بعد ان ربطوا مصير الملايين المشردة والتي تقتل يوميا بيد جلاوزة النظام، مع مصالح وعلاقات الاطراف المهيمنة مع بعضها البعض وتنافسها للسيطرة على المنطقة...

 

ولفهم ماهية الامم المتحدة علينا اولا التفريق بين قوانين حقوق الانسان الدولية والقوانين المدنية الاخرى؛ والتي هي بأختصار: تلك القونين المسنة وفقا لمواد دساتير الدول. لتحديد شروط المواطنة وتسمية نوعية العلاقات ما بين الفرد ضمن الجتمع والدولة، ومنها مثلا ضمانات حرية المواطن، و استحقاقاته من الدولة، وتحديد واجباته للدولة، لتنضيم العلاقة بينه وبين مكونات المجتمع الاخرى.

 

ولذلك يمكن اعتبار فكرة القوانين المدنية بأنها غير شمولية وتجريدية؛ غير شمولية، بمعنى ان لكل دولة قوانين خاصة بها، وضعت على اسس يتناسب مع نُظمها السياسية، ولذلك فقد تختلف او لاتناسب مع نظم وقوانين شعوب خارج حدودها الديموغرافية، وتجريدية بمعنى، أن تلك القوانين وضعت بشكل ليس فقط ليؤهل للفرد حقوقا معينة منها المواطنة مثلا، بل ليجردها ايضا من الاخرين، كالعبيد مثلا.

 

اما قرارات الاسرة الدولية الرنانة والتي يدعي منسقوها بكونها ثورية، لشموليتها و صيغتها على اسس المعايير العالمية، وكونها ليست مختزلة لبقعة ما بعينها، ولا تتجذر ببنودها مع دساتيرالدول ال 192العالمية ولاتستنبط مودها منه، بل لها بنودها المستقلة التي تحاول بها التوفيق بين دساتير تلك الدول بما يتناسب و مفاهيم حقوق الانسان، ومن خلالها اعتبار الفرد كشريك وعضوا فعال في المجتمع الدولي، ويضمن له حقوقا متساوية بما يتناسب وانسانيته.

 

ولا بد من توخى الحذر حين التعامل مع شطري قرارات المجتمع الدولي، الفلسفي منها والقانوني، فواقع الحال يثبت وجود تناقضات بين ادعائاتها الفلسفية التي تتحدث عن السلام وعباراتها الطنانة الاخرى وبين تطبيقاتها القانونية على الارض، وخير مثال على ذلك هي تلك الجرائم التي ترتكب ضد الانسانية، ومنها الجرائم التي ارتكبت ضد الشعب المسلم في فلسطين، وما ذكر اعلاه من جرئم القتل والدمار التي ارتكبت ضد العراقيين على اختلافاتهم، تلك الجرائم التي لازالت اثارها تضهر على معضم المواليد العراقية الجديدة على شكل امراض سرطانية مستعصية او تشوهات خلقية لم تكن لها مثيل قبل الحربين الصليبيتين ضد مسلمي العراق.

 

ولأجل فهم ألاهداف الحقيقية وراء نشوء الامم المتحدة وماهية قوانينها علينا ان نرجع الى فترة الاربعينيات من القرن الماضي، اي الى الفترة التي نشأت فيها الامم المتحدة ثم ندرس مجريات الاحداث المقارنة لتلك الفترة والتي استوجبت استحداثها، ثمَ علينا ان ندرس من هم الاشخاص اللذيين اشتركوا في صيغتها لتكوين الصورة كاملة عن ماهية تلك القرارات ومدى مصداقيتها.

 

حيث ان اي محاولة لفهمها من خلال القراءة لمقدمات معظم الكتب المنهجية المؤلفة والمعتمدة في الدول الغربية في هذا المجال.  يظهرها وكأنها تتحدث عن مغامرات خيالية عبرحقبات التأريخ،  وتبدوا وكأن جميع تلك الكتب تشترك في سردها التاريخي لأقناع القاريء بأن بأن فكرة حقوق الانسان (وكما هو الحال في العلوم الاخرى) متجذرة في اصل الحضارة الغربية بدأ من التأريخ الروماني والاغريقي وقصص مفاهيم الحرية فيها، ثم يستمر من دون ان تنسى لتسرد في طيياطها قصص مجنا كارتا الانكليزية والحوادث التي جرت بين البابا (الرمز الديني لدى المسيحين) والملك خلال الاعوام 1215، والتي يشار اليها ضمن الامثلة الجيدة التي تتناول موضوع حقوق الانسان،على الرغم من انها لم تكن سوا بضعا البنود التي وضعت في حينها، لايجاد مزايا اكثر وحقوق افضل للطبقة الارستقراطية، متلائما بذلك مع مثيلاتها الاغريقية والرومانية... و مهمشة هول الانتهاكات والجرائم التي اقترفت خلال تلك العصور، ومنها مثلا في التلذذ في رؤية اسرى الحروب والعبيد وهي تقتل او تفترس بعد ارغامهم في مبارزة غير عادلة مع فرسانهم او مع السباع الجائعة، وذلك لا لشيء انما لحب رؤية الدم وهي تراق وانسان يقتل بأبشع طريقة.

 

وطبعا وكعادة الغربين، هناك تجاهل او تناسي متعمد للاشارة الى اي دور للمسلمين في التحظر الانساني، خصوصا دور رسول الانسانية الاعظم محمد (ص) الذي كان اول من زرع نوات للتعامل الصحيح ما بين بني البشر مع ما يتلأم وانسانيته، تلك المفاهيم المحمدية التي لم يقتصر بنودها من اجل طبقة مجردة اوجنس معين، بل تساوى فيها الجميع وفق تلك المفاهيم التي لم يعرف القاموس الغربي لها مفردة بين مصطلحاتها الا بعد الف ونيفٍ من السنين، والتي اشتملت في طياطها، بنودا لكيفية التعامل في وقت السلم والحروب والغزوات مع الجرحى والاسرى والمدنين.

 

ثم حين الاستمرار في مطالعة تلك الكتب المنهجية الغربية اعلاه في طريقة سردها التاريخي للحوادث نراها تتحدث بايجاز عن بعض الثورات المهمة التي قامت في القرن 18 الميلادي في الغرب، منها مثلا الثورة الامريكية والفرنيسة. فيها نجد مثلا اشارة الى توماس بيين الذي حينما كتب عن اعلاني الاستقلال الامريكي، والاعلان الفرنسي للحقوق المواطنين، قد وحد مفهوم الثورتين في مضمون ذلك الاعلان "اعلان حقوق الافراد والمواطنين" واستخدمها كعنوان لهما:

"The Declarations of the Independence of the US"

"The French Declaration of Rights of Man and Citizen"

 

ورغم هذا العنوان الذي يتناول حقوق الانسان كشعار في كلتا الاعلانين للثورتين العظيمتين، الا انها لا تعتبر بمثابة اعلان كامل لحقوق الانسان، لكونهما تجريديتان لمواطني تلك الدولتين (امريكا وفرنسا)، وحين القائنا نظرة سريعة لدستوريهما في تلك الاعوام نجد فيهما ملامح للخوف من اليمقراطية العادلة، بل تجريد صريح للكثيرين من حقوقهم الفردية وفي المواطنة الكاملة، ومن حقوقهم الانتخابية،  ففي امريكا مثلا لم يكن حق التصويت مصرحا للعبيد والنساء وغير المنتمين الى الديانة المسيحية ومن لايملكون قدر معلوم من الاملاك. والاستعباد كان مصرح به قانونيا، علما ان حق التصويت للنساء في فرنسا لم يقر الا بعد الحرب العالمية الثانية! 

 

ثم وبعد هذه المقدمة السردية القصصية التي لاتخلوا من الاشكاليات، ينتهي معظم الكتب الغربية الى الاشارة الى استحداث المنظمة الدولية والاعلان العالمي لحقوق الانسان... للايهام وكأنَ المسألة كانت دارجة في ثقافة الغرب ونظجت ببطئ وتدريجيا فيها، مع ظهور التطورات التلقائية والمفاهيم المشتركة، المقارنة لمفهوم حقوق الانسان بماهيته التي اعلنت بها حين انبثاق تلك المنظمة! وبصورة ملفتة للسخرية، لاتزال هذه الكتب تنكر الاشارة الى كثير من الجرئم التي اقترفتها تلك الامم عبرحقبها التاريخية المختلفة ليس فقط في حروبهم الصليبة لاحتلال بيت المقدس، بل وحتى جرائم الابادة الجماعية التي اقترفوها في عقر دارهم في اوروبا وامريكا ضد الايرلاندين وسكان افريقيا والهند وامريكا واستراليا ونيوزلاندا الاصلين واليهود والمسلمين والمهاجرين من الاقوام والديانات الاخرى، وحين اعادتهم لفتح اسبانيا المسلمة من قبل الجيش الكاثوليكي، ولازالت تصريحاتهم الازلية في ابادة المسلمين واليهود اجمعين قائمة، و تصرفاتهم العنصرية الحالية مع شعوب العالم خير دليل على ذلك...

 

وبعد كل هذا يخرج لنا هذه الدول بمنظمات وتدعي ببجاحة بانها وجدت ليس للدافع عن حقوق الانسان والمستهلكين والاطفال والنساء، بل حتى الحيوانات رغم ان صياغة قوانينها وحق نقظ قراراتها (الفيتوا) اقتصرت لعدد محدود من الدول، اذن هناك افعال لاتطابق الاقوال بشيء...وهذا ليس هذا ليس بشيء عجيب او غريب في تصرفات الدول الصليبة، ولكن الغريب العجيب هو في تصرفات الدول المسلمة ويبدوا انهم تجردوا من الايمان الا ماندر، فباتوا يُلدغون من نفس الجحر مرات ومرات بلا استعاضة، بل ترا قلة درجة ايمانهم وصلت الى حد من الدناءة بحيث يسابق بعضهم في استرضاء الخصم وكسب مودته، الى حد استعداده لحفر الحفرة كفخ لاخيه، متجاهلا بان الدائرة سوف تنقلب عليهم بلامحالة انشاء الله.