لماذا يسلم العديد من المعارضة السورية أسلحتهم؟؟؟

                                                        د. صبحي ناظم توفيق

                                                 "خبير إستراتيجي-دكتوراه في التأريخ"

                                                                                 إستانبول... في  27/9/2015

خلال أقل من (3) أشهر سلـّم العديد من مسلحي الفصائل السورية المسلحة -الموصوفة سياسياَ بـ(المعتدلة)- أسلحتهم إلى فصائل المعارضة المنعوتة بـ(المتطرفة) في حالات غير مسبوقة تكررت سراعاً بواقع (3) مرات منذ فرض القتال الشرس في "سوريا" أوزاره على معظم بلاد الشام قبل ما يربو على (4) أعوام عجاف، حتى أصاب القلق الدوائر الأجنبية التي ظلت تدفع السلاح بسخاء لأيدي تلك الفصائل من دون رقيب وحسيب، لتعلن مصادر المخابرات الأمريكية بأن أعداد الأسلحة والأعتدة والعجلات والتجهيزات والمعدات التي سلمها "المعتدلون" إلى أيدي "المتطرفين" -بمن فيهم تنظيم القاعدة- بلغت (25%) من مجاميع الأسلحة ومن دون قتال لمجرد السماح لهم بإجتياز البقاع المستحوذ عليها بسلام إلى خارج مناطق الصراع!!!... فما الذي يكمن وراء الكواليس من إحتمالات؟؟؟

الإحتمال الأول أن هؤلاء المقاتلين قد ضجروا القتال في البراري والمدن ووسط البلدات والإختباء والموت والإصابات هنا وهناك طيلة (4) أعوام، من دون أن يتلمّسوا نتائج حاسمة وراء تلك البهذلة سوى إثراء قادتهم المتمتعين بملايين الدولارات من السحت الحرام إلى جانب الرخاء والسكن والتمتع في القصور والمنازل الفارهة المستحوذ عليها وسط ميادين القتال، فلذلك أُحبِطت معنوياتهم وباتوا غير قادرين على مواصلة المواجهات والإشتباكات، وخصوصاً أنهم ليسوا أفراداً لدى قوات نظامية تـُفرَض عليهم قوانين صارمة وتعليمات وأوامر وتوجيهات حازمة من تلك التي لو خرجوا عليها لحوسبوا فوراً حساباً عسيراً...

والإحتمال الثاني أن هناك ((تفاهمات)) يتم طبخها بين الدول الكبرى ودول الشرق الأوسط ذات العلاقة للتوصل إلى حلول جذرية للأزمة السورية، وخصوصاً بعد المعاهدة النووية التي أبرمتها الدول الخمس العظمى وآلمانيا مع "إيران"، ما حدى بواحدة أو أكثر من تلك الأطراف التي تقف وراء تمويل جميع فصائل المعارضة السورية -المعتدلة والمتطرفة- وتسليحها وتجهيزها كي توعز إلى فصيل أو أكثر من أتباعها للخروج بسلام من ميادين الصراع حتى مقابل تسليم أسلحتهم إلى كائن من يكون.

وهناك إحتمال ثالث ينحو بأن الفصائل المتطرفة قد إستطاعت السيطرة بقوة على بقاع معينة بحيث أضحى ((المعتدلون)) في وضع ميداني ضعيف فإحتاروا في أمرهم وأُرغموا على إيداع أسلحتهم إلى الطرف الأقوى لمجرد الحفاظ على أرواحهم...

فيما يشير الإحتمال الرابع إلى إتفاقات ثنائية ميدانية بين قائد هذا الفصيل مع الخصم الذي يتقابل معه، لا سيما وأن معظم قادة المعارضة -على تباين مسمياتها- ليسوا سوى مرتزقة لا يبتغون إلاّ الثراء والجاه والنفوذ والمناصب المستقبلية على حساب دماء المقاتلين المنكوبين والمخدوعين بشعارات طنانة ورنانة كاذبة مرفوعة، بينما يضحي المقاتلون بأرواحهم وأجسادهم بعيدين عن أهليهم وديارهم ظناً منهم أنهم ((يجاهدون)) في سبيل الله وترسيخ الدين والمذهب والعقيدة وتحرير الوطن، ولكن من دون دراية بمن يكمن وراء دفعهم لأتون الحرب.

وثمة إحتمال خامس بأن ((التقليعة)) القائمة في غضون الأسابيع الأخيرة -بشكل غير مسبوق في التأريخ- من لدن عدد من الدول الأوروبية المحترمة في ترحيبهم باللاجئين عموماً والسوريين منهم على وجه الخصوص، ناهيك عن التركيز الإعلامي لصالح دول الغرب في هذا الشأن، وفتح أراضيها لتتدفق نحوها عشرات الألوف منهم طمعاً لحياة أفضل بكثير مما عليه الحال في أوطانهم المصابة بالخراب والدمار الكارثي والفقر المدقع وعدم إحترام أبسط حقوق المواطن، مصحوباً بفساد مالي وإداري لا يمكن الحد منه يقترفه حكام جائرون وزعماء سياسيون شكّلوا مافيات يستحيل إختراقها وليس القضاء عليها إلاّ بمعجزة، فذلك ما رسّخ في أعماق العديد من أولئك المقاتلين في صفوف المعارضة ((المعتدلة)) طموحاً جامحاً في أن  يسرعوا شاغفين لينضموا لأقرانهم الذين باتوا في البقاع الأوروبية بدلاً من مواصلتهم لقتالات دامية ضروس طالت أعواماً عديدة من دون بصيص أمل يُذكر يحقق حلاً سريعاً ومجدياً للمعضلات القائمة في أوطانهم التي تعرضت لما سمّي بـ(الربيع العربي) أو تلك التي إنقلبت فيها الموازين جراء الغزوات والإحتلالات الأجنبية والحروب الداخلية بين أبناء الوطن الواحد الذي بات مجزءاً، وبالأخص أن مشاعر إحباط عميقة ربما تراود معظم المقاتلين في أن السلام حتى لو ساد في "سوريا" بقدرة قادر ومعجزة إلهية، فإن هؤلاء المقاتلين -حتى لو إستطاعوا العودة لديارهم سراعاً- فإنهم سيجدونها مدمرة ومنكوبة لا تحتوي سوى منازل مخربة وأراض زراعية تحولت بَوراَ، ولذلك فإنهم سينتظرون أعواماً كي تعود الحياة إلى سابق عهدها، ومن المؤكد أنهم سيظلون عاطلين عن العمل ومن دون أن يشفع بحقهم أحد من أولئك الذين قاتلوا و((جاهدوا)) لأجلهم سواء على شكل دول ورطتهم بجدارة في خوض الصراع خلف قادة مأجورين دفعوهم لخوض تلك المواجهات الدموية لأغراض سياسية ودينية ومذهبية وعقائدية في ظاهرها، ولمصالح ذاتية ومادية ومناصبية لا يفيد منها سوى الكبار والحيتان المتعطشة.